محمد بن يزيد المبرد
601
المقتضب
فأمّا قولك : « واللّه لكذب زيد كذبا ما أحسب اللّه يغفره له » ، فإنّما تقديره : لقد ؛ لأنّه أمر قد وقع ، ولا يقال هذا إلّا على شيء متقدّم ، فالأمر فيهما واحد ، إلّا أنّ هذا على الحذف والتعجّب ، والذي ب « قد » على استقصاء الكلام ، فعلى هذا فأجرهما . * * * واعلم أنّ من العرب من يقول : « اللّه لأفعلنّ » ، يريد الواو ، فيحذفها . وليس هذا بجيّد في القياس ، ولا معروف في اللغة ، ولا جائز عند كثير من النحويّين . وإنّما ذكرناه لأنّه شيء قد قيل ، وليس بجائز عندي ؛ لأنّ حرف الجرّ لا يحذف ويعمل إلّا بعوض لما تقدّم من الشرح . * * * واعلم أنّ القسم لا يقع إلّا على مقسم به ، ومقسم عليه ، وأنّ قوله عزّ وجلّ : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى . وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى . وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى « 1 » . أنّ الواو الأولى واو قسم ، وما بعدها من الواوات للعطف لا للقسم . ولو كانت للقسم ، لكان بعض هذا الكلام منقطعا من بعض ، وكان الأوّل إلى آخر القسم على غير محلوف عليه ، فكان التقدير : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى « 2 » ، ثمّ ترك هذا ، وابتدأ وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى « 3 » . ولكنّه بمنزلة قولك : « واللّه ثمّ اللّه لأفعلنّ » ، وإنّما مثّلت لك ب « ثمّ » ؛ لأنّها ليست من حروف القسم . * * * واعلم أنّ القسم قد يوكّد بما يصدّق الخبر قبل ذكر المقسم عليه ، ثمّ يذكر ما يقع عليه القسم . فمن ذلك قوله عزّ وجلّ : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ . وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ . وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ « 4 » ثمّ ذكر قصّة أصحاب الأخدود توكيدا . وإنّما وقع القسم على قوله : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ « 5 » وقد قال قوم : إنّما وقع على قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ « 6 » ، وحذفت اللام لطول الكلام . وليس القول عندنا إلّا الأوّل ؛ لأنّ هذه الاعتراضات توكيد .
--> ( 1 ) الليل : 1 ، 3 . ( 2 ) الليل : 1 . ( 3 ) الليل : 2 . ( 4 ) البروج : 1 ، 3 . ( 5 ) البروج : 12 . ( 6 ) البروج : 4 .